mardi 12 avril 2011

حول القانون الانتخابي الجديد وبعض الكؤوس المرة

عدنان المنصر، مؤرخ، مواطن حر

د. عدنان المنصر

دون مفاجآت كبيرة، وقعت المصادقة أمس في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي على القانون الانتخابي المؤقت الذي سينظم التنافس على مقاعد المجلس التأسيسي. وهذا القانون، رغم الكثير من النقاط التي كانت موضوع خلاف بين أطراف داخل الهيئة، فإنه صدر بأغلبية كبيرة جدا بعد أن أدخلت عليه تحويرات في القراءة الثالثة. لم تتجه الهيئة نحو نظام اقتراع على الأفراد، وهو نظام اقتراع أكثر عدلا وأصدق تمثيلا للجو العام في البلاد بالرغم من احتوائه على جملة من السلبيات. كما لم يقع إقرار إمكانية المزج بين المرشحين المنتمين لقائمات مختلفة وذلك بضغط من ممثلي الأحزاب، بالرغم من تناقض ذلك مع كل ما طالبت به الحركة الديمقراطية في تونس منذ نشأتها. مع ذلك يمكن القول أن قانون الانتخاب يحمل عدة نقاط مضيئة، وأول هذه النقاط مبدأ المناصفة بين النساء والرجال في القائمات الانتخابية، وكذلك مبدأ التناوب بين المرشحين والمرشحات على هذه القائمات. كما أن نقطة مضيئة أخرى تتمثل في وجوب تمثيل المرشحين على القائمة الواحدة على معتمديات مختلفة بعد أن وقع إقرار الولاية دائرة انتخابية. أما النقطة الأخرى التي حصل حولها إجماع كبير فكانت تتعلق بمنع من تقلدوا مسؤوليات في التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل وفي هياكل الدولة طيلة حكم الرئيس المخلوع من الترشح لانتخابات المجلس التأسيسي.

والحقيقة أن هذه النقاط التي تواصلت في شانها مداخلات أعضاء الهيئة وتردد الأحزاب أو بعضها في المصادقة عليها بالصيغة التي تم التوصل إليها يعكس مخاوف ناتجة عن حسابات انتخابية مثل كل تلك التي كانت الأحزاب تبدع دائما في القيام بها، ولا يعرف منطقها إلا الراسخون في السياسة. فبالنسبة لمبدأ المناصفة الذي وقع إقراره في القراءة الثانية، أبدى بعض المنتمين إلى الأحزاب “التقدمية” تحفظا عليه بالدعوة إلى وضع المبدأ كحد أقصى، مع وضع مبدأ الربع كحد أدنى، بالرغم من أن نفس الأطراف تقريبا هي التي دافعت عن الفكرة في البداية. بدا الأمر الذي وضع في المنطلق كطريقة لإحراج حركة النهضة وانتظار تبرمها منه لفضح “ازدواجية خطابها” وكأنه انقلب على أصحابه الذين رأوا أن إقرار المناصفة الكاملة مع التناوب قد يجعلهم عاجزين عن تقديم قائمات تتوفر فيها هذه الشروط. وبالفعل فإن المرأة أكثر حضورا في “الأحزاب الرجعية” منها في “الأحزاب التقدمية”، وهذه مفارقة. من جهتها أعلنت النهضة، إلى جانب ممثلي المجتمع المدني والنساء الديمقراطيات ( !) عن تمسكها بمبدأ المناصفة الذي وقع إقراره ورفضت التراجع عنه، أي أنها قررت شنق الجماعة بالحبل الذي صنعوه لها. سيكون على الأحزاب التي تمسكت بنظام اقتراع على القائمات أن تشرب كأسا مرة، ذلك أن عددا كبيرا من حساباتها سقطت في الماء بسبب ميلها التقليدي للمزايدة على المواقف من القضايا التي هي في الأصل محل إجماع. سيكون صعبا على المكاتب السياسية للأحزاب أن ترضي جميع عناصرها الرجالية التي تنتظر أن تقع مكافئتها على نضالها بترشيحها للانتخابات القادمة. وإذا علمنا أن هذه الأحزاب “التقدمية الذكورية” لم تهيئ نفسها لذلك، وأن الرجال فيها كانوا دائما يسحقون النساء، فإن الأمر سيكون صعبا جدا عليها. أما تمثيل القائمة لكل معتمديات الدائرة الانتخابية فسيوقع نفس الأحزاب في مأزق لا يقل سوء عن الأول، بالنظر إلى قلة حضور هذه الأحزاب في الجهات، بل واقتصارها غالبا على مكتب بالعاصمة وأخرى في بعض المدن الكبرى. هذه كأس مرة أخرى ستتجرعها بعض الأحزاب، وهي كؤوس ملئت من العين التي فجرتها ذات الأحزاب بإصرارها على نظام القوائم المغلقة. في الجهات الداخلية، أي في أربعة عشر دائرة انتخابية، ستزيد الكأس مرارة بالخصوص على الحزبين الذين شاركا في حكومة الغنوشي إذا لم تتداركا أمرهما بحملة انتخابية مناسبة. بل إننا نعتقد أنه مهما كان حجم الأموال التي سينفقها الحزبان في سبيل ذلك، فإنهما لن يتحصلا على ما يرغبان فيه من مقاعد في هذه الجهات بعد أن قدمت الدليل على أنه يمكن تدمير سمعة عقود من النضال في شهر واحد من وهم الحكم.

أما من الناحية المبدئية، فإن اعتبار البعض أنه لا يمكن المرور بالسرعة القصوى من وضعية التمثيل الحالية الضعيفة للمرأة في مواقع القرار، إلى وضعية المناصفة الكاملة، فالرأي عندنا أن انتخابات المجلس التأسيسي القادم يمكن أن تكون فرصة لتحقيق هذه الطفرة، وأن عملية المشاركة السياسية تمرين تطبيقي قبل أن يكون نظريا. لن يكون هناك من يدافع عن حقوق المرأة أكثر من المرأة نفسها. الغريب أن بعض الآراء تذهب إلى القول بأن المنتخبات اللواتي سيمثلن حركة النهضة أو أي مشروع “جبهة إسلامية-قومية” في المجلس التأسيسي (هذا الحديث يزداد تواترا مع الأيام) سيكن أقل إصرارا من غيرهن من التقدميات على حماية حقوقهن، وهذا من نوع الخطاب الذي لا يحتكر العقلانية دون وجه حق فقط، وإنما يذهب حتى إلى احتكار الأنوثة أو الوصاية على الأنوثة. نعتقد أن هذه خطوة عملاقة من أجل إنجاز الدولة المدنية التي لا تميز بين مواطنيها على أي أساس اعتباطي، وأن وجود المرأة في هياكل التمثيل والقرار بالنسبة التي تطابق حضورها في المجتمع هو ضمانة للجميع، ومحاصرة لكل الحسابات الحزبية التي تسفر في أحيان كثيرة عن وجهها الذكوري المترسخ وإن غطته بكل الأردية الممكنة. حتما، إن تحديد نسبة تمثيل للمرأة بهذا الحجم قد لا يطابق اهتمام المرأة في بلادنا بالشأن العام، غير أن الثاني هو سبب للأول وليس العكس. المرأة قليلة الاهتمام بالشأن العام لأن الرجل كان حريصا دائما على إقصائها منه، ويجب أن نبدأ في تغيير عقليتنا كتونسيين إزاء هذه المسالة: ليس هناك أفضل من ثورة للشروع في هذا المسار، وها قد حصلت.

أما النقطة الثانية التي حصل عليها توافق كبير فقد كانت منع المسؤولين السابقين في الحزب والدولة، وأولئك الذين ناشدوا الرئيس المخلوع بإعادة الترشح وسوغوا الاعتداء على دستور البلاد من الترشح لانتخابات المجلس التأسيسي. سياسيا لهذا القرار مبررات قوية، فقد كاد هؤلاء، الذي زوروا إرادة الشعب وغطوا على كل الفساد والاستبداد طيلة الفترة السابقة أن ينقلونا إلى نظام ملكي ويدمروا آخر ما أبقته الديكتاتورية من مؤسسات وإن أفرغت من مضمونها الجمهوري. سيقول بعض الناس، وهم يذرفون دموع الحسرة على ديمقراطية تنشأ في نظرهم مشوهة ومعاقة، أن هذا الإجراء غير عادل. ينبغي عليهم أن يعرفوا أنه ليس هناك من ثورة في التاريخ تتخذ إجراءات عادلة تجاه الجميع. هناك حاجة للحفاظ على المسار الحالي من كل إمكانية لعودة أشباح الفساد والديكتاتورية، على أن يكون المجلس التأسيسي القادم سيد نفسه وصاحب قراره في خصوص السماح للممنوعين بالعودة إلى الحياة السياسية. سياسيا، سيسقط هذا القرار (الفصل الخامس عشر من القانون الانتخابي المؤقت) كثيرا من الحسابات في الماء. تحت غطاء التصدي لمنطق الاجتثاث كان يهيأ لتحالفات كثيرة، بعضها واضح وكثير منها خفي. وتحت غطاء أحزاب بمسميات جديدة كانت بعض رموز الفترة السابقة تتهيأ للعودة إلى الساحة وكأن شيئا لم يكن. بقرار نعتبر أنه يترجم عن إرادة شعبية جارفة أسقط في يد كل أصحاب هذا النوع من الحسابات، وسيتوجب عليهم منذ اليوم أن يجدوا سبلا أخرى للحصول على القوة الانتخابية التجمعية التي لا شيء يضمن بقاءها أصلا حتى تاريخ إجراء الانتخابات. ستتشتت أصوات التجمعيين، ولن يكون بإمكان كثير من المراهنين عليها أن يجنوا منها إلا القليل جدا، وهو قليل لا يبرر كل الخسائر التي تكبدتها شعبيتهم جراء الدفاع عن تشريك رموز البارحة من مشهد الغد.

هذا دليل آخر على أن ما حدث في البلاد إنما هو ثورة حقيقية، وذلك على العكس من الطريقة التي يوحي بها السلوك السياسي لنفس الأطراف منذ يوم 14 جانفي. عندما لا تنجح ثورة في تحقيق انقلاب في العلاقات الطبقية، فإن تمسكها بأهدافها السياسية لا يوضع مطلقا موضع مساومة، وعندما تسقط إمكانية المساومة، تسقط معها صحة الحسابات. لكن حسابات أخرى ستنشأ حتما بناء على الوضع الجديد. مشكلة تلك الأطراف أنها بقيت تتعامل مع وضعية ما بعد 14 جانفي بعقلية 13 جانفي، وأنها بنت كل إستراتيجيتها السياسية على أن الأمر لا يتجاوز مجرد إعادة توزيع للأدوار. هذا درس آخر، وما أكثر الدروس التي سيتوجب على الجميع تعلمها في الفترة القادمة.