المنظمات الفلسطينية التي تتصارع فيما بينها على كل شيء تجد ما يوحدها: موقفها من سقوط نظام بن علي.
لا دخل لهذا المقال من قريب أو بعيد بالتونسيين. فثورتهم تستحق كل تقدير وهي خيار وطني بالدرجة الأولى. وسيحكم التاريخ على زين العابدين بن علي بأفضل مما يتم تداوله الآن سلبا أو إيجابا.
المقال يتناول الموقف الفلسطيني الصادم من بن علي. وسيحاول أن يقف عند محطات بسيطة، لكنها واضحة المعالم تدل على انتهازية الفلسطينيين (وهنا سأعمم جزافا لأني لم أر ما ينفي التعميم ويساعد على الفصل بين ما هو حزبي رسمي أو شعبي، وبين موقف الزعماء أو موقف الأفراد).
تحمس الفلسطينيون لسقوط بن علي حتى وكأن المرء حين يسمع تصريحاتهم المختلفة إنما يظن انه يستمع إلى تصريحاتهم عن سقوط نتانياهو وليس عن رئيس عربي لم تسقط فلسطين عن لسانه في كل حدث وحادثة.
وهنا لا أريد أن أجادل في أخلاقيات بن علي. ولكن الهدف من المقال هو أخلاقيات الفلسطينيين الذين نصبوا أنفسهم معيارا على رؤوس العرب لما هو صحيح وما هو خاطئ، ما يصح وما لا يصح، ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي.
لنبدأ من المستفيد الأكبر من بن علي: منظمة التحرير الفلسطينية.
أول منْ سارع إلى الاحتفال بسقوط بن علي كانت منظمة التحرير الفلسطينية (الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين كما يحلو لها أن تسمي نفسها). فبيان المنظمة يهاجم بن علي ويثني على "الانتفاضة الشعبية العفوية للشعب التونسي ضد مظاهر الفساد وكبت الحريات والقمع تؤكد من جديد الطاقة الخلاقة للشعوب في تقرير مصيرها واختيار وجهتها الديموقراطية والتنموية."
اكتشف ياسر عبد ربه كاتب البيان هذه الحقائق بعد أكثر من ربع قرن من استضافة تونس وبن علي لمنظمة التحرير. هكذا فجأة صار البلد الذي تعرض للقصف الإسرائيلي ودفع ثمنا سياسيا باهظا لاستضافته المنظمة وتعرضت أرضه لحرب سرية شنتها الموساد على القيادات الفلسطينية، صار هذا البلد ورئيسه مظهرا من مظاهر الفساد. الفساد، وليس غير الفساد، وهو ما تغرق به السلطة الفلسطينية التي تشكل منظمة التحرير الفلسطينية عمودها الفقري.
لم نقرأ بيانا من ياسر عبد ربه يتحدث، مثلا، عن الخلاف بين سهى عرفات وليلى بن علي حول مشروع تجاري في تونس. وإن كنا اليوم نعرف من أين جاءت زوجة الرئيس التونسي بمالها، فأننا نشجع عبد ربه أن يسأل السيدة سهى عن مصادر ثروتها.
رد الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتملصه من بيان عبد ربه جاء كمن أراد أن يكحلها فعماها. ولأنه انتهازي، حال معظم الفلسطينيين، فأنه ذهب إلى تونس في عز الاضطرابات، ليطمأن على بن علي ونظامه، لكنه لم يجد حرجا في القول "أننا نتمنى الخير لتونس العزيزة على قلوبنا ونتقدم بتعازينا ومواساتنا لذوي الضحايا وللشعب التونسي الشقيق ونؤكد أننا سنحافظ على أفضل العلاقات مع تونس الشقيقة". ترى هل هذا ما قاله لبن علي قبل سقوطه بأيام؟
حماس قصة ثانية. فوراء عباءة الورع تختبئ الانتهازية بشكلها الحقيقي.
لا حاجة لترديد ما قالته حماس بحق بن علي. فحماس التي أسستها إسرائيل تتهم بن علي بالصهيونية. وهو من قطع علاقاته بإسرائيل (ولم تكن بمستوى سفارة بالأساس بل مكتب مصالح يسهل زيارة اليهود إلى مواقع يهودية تاريخية في تونس) لعيون القضية الفلسطينية وتعاطفا مع معاناة الأمهات الفلسطينيات. قطع ما لم يقطعه الفلسطينيون أنفسهم. ولم ينفك بن علي عن الحديث شخصيا أو عبر بيانات حكومته عن موقفه من الجرائم الإسرائيلية ومساندته لموقف الفلسطينيين. ولا نعرف كيف كان بإمكان بن علي أن يكون أقل صهيونية لترضى عنه حماس: هل مثلا يكون حارسا لحدود إسرائيل الجنوبية من هجمات الصواريخ حفظا للهدنة/التهدئة كما تفعل حكومة هنية الآن؟
حماس تنتقد دكتاتورية وفساد بن علي. لا اعتراض على هذا بتاتا. ولكن هل تقول لنا حماس التي تصدر بيانات رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل من دمشق إن كان يردد بينه وبين نفسه نفس القول عن النظام السوري الذي يستضيفه أم أن دمشق صارت عاصمة الديمقراطية والشفافية المالية واختفى من مشهدها السياسي البطش الأمني واستغلال السلطة من النظام وأقاربه وبطانته؟
حماس تكره بن علي لأسباب اخوانية. ولكنها، ولأنها منافقة، لا تريد أن تتذكر أو تتحدث عما فعله النظام السوري برفاق حماس من أخوان سوريا وكيف لا يزال إلى الساعة يحكم عليهم بالموت.
حماس نفسها تتحالف مع طهران، عاصمة "الديمقراطية" الصاعدة في الشرق الأوسط. ولا نجد أن من اللائق تعديد "محاسن" الديمقراطية الإيرانية لصاحبيها خامنئي وأحمدي نجاد. ربما كان على بن علي أن يتعلم المزيد من البطش من تلك الديمقراطية الصاعدة وأن يستورد خبراتها في القمع ونصب المشانق للمعارضين. فإثنان منهم أعدما للتو بتهمة "النفاق" لأنهما وزعا صورا للتظاهرات. فالنفاق جريمة سياسية في إيران عقوبتها الموت.
لا يفوتنا موقف الجبهة الديمقراطية (لاحظوا طرافة الاسم). فنايف حواتمة ومنظمته اكتشفا عدم ديمقراطية بن علي ومنعه تداول السلطة بشكل ديمقراطي. نسي حواتمة مثلا أنه الرئيس المزمن للجبهة الديمقراطية منذ تأسيسها عام 1969 (ربما كان بن علي تلميذا في الكلية الحربية أو مبتعثا للدراسة في فرنسا في ذلك الحين أو ملحقا عسكريا في المغرب). لم يتغير ولن يرحل إلا أسوة برفاقه جورج حبش وياسر عرفات (رحمهما الله وأطال عمره) . كيف يرحل وهو حكيم الثورة.
حواتمة الديمقراطي لا يرى حرجا في انتقاد دكتاتورية بن علي انطلاقا من عاصمة دكتاتورية الأسد، الأب قبل الابن. وحواتمة نصير الشعوب لا يرى حرجا أيضا في توجيه سهامه لفساد أسرة بن علي ولا يقول لنا هل يضع تمثال القرود الصم العمي البكم أمامه لكي يتجاوز عما يراه في دمشق النضال والممانعة.
هل يمكن الآن التمييز بين الانتهازية "الديمقراطية الحواتمية" عن تلك الفتحاوية أو الحمساوية؟
هل أزيدكم؟ كلا، وإلا دخلنا في نطاق خزعبلات حزب التحرير الذي يريد استبدال بن علي بالخليفة/السلطان العثماني. سأترك البقية لمتابعة القارئ.
ولكن أريد أن أشير إلى قضية هامة. في البدء أريد أن أقول أنني كنت من أشد أنصار القضية الفلسطينية ومن المدافعين عنها. لكن هذا تاريخ مر ولم أعد كذلك. قناعتي لم تتزحزح لحظة في عدالة القضية. ما يسوءني هو أسلوب أهلها وقياداتها.
لطالما وجدت حالة من انعدام الثقة في الفلسطينيين لدى الأردنيين واللبنانيين. هم أصحاب تجربة مريرة مع القيادات والأفراد وقد حاول الفلسطينيون تخريب الأردن وفشلوا، وخربوا لبنان إلى يومنا هذا من خلال تركة جاءت بحزب الله وإيران وما يفعلانه من متاجرة بقضية فلسطين على الأرض اللبنانية لإخفاء هدف التوسع الإيراني.
الفلسطينيون يحقدون على الأردن ولبنان. ورغم أنهم يعيشون بين ظهرانيهم، إلا أنهم لا يضيعون فرصة للنيل من مليك الأردن أو زوجته أو لبنان وسمعة أبنائه. اصعد في تاكسي في عمّان يقوده سائق فلسطيني واستمع إلى ما يقوله بحق منْ يستضيفونه.
لكني أفهم حقدهم بحكم الجوار الجغرافي. فمرة عمّان سايغون العرب ومرة هذه السايغون تصبح بيروت. بل أفهم حقدهم على المصريين الذين صحوا متأخرين بعض الشيء وفهموا أن لا شيء في فلسطين يستحق التضحية بالقاهرة (لا تزال حماس المتحمسة لثورة تونس صامتة أمام ثورة مصر). وأفهم محاباتهم لإيران وأميركا سوية في العراق وهم منْ صفق لصدام طويلا عندما غزا الكويت (ثمة محاصصة فلسطينية تشبه المحاصصة العراقية: مشعل يتملق إيران وعباس يتملق الولايات المتحدة). بل وحتى أفهم حقدهم على الكويتيين خصوصا والخليجيين عموما رغم أن كل بيت فلسطيني ربما يعيش من تحويلات الفلسطينيين الذين يعيشون في الخليج، فالحسد أول الحقد.
ولكني لا أفهم حقدهم على ذلك البلد البعيد ورئيسه الذي لم يفعل شيئا لهم إلا استضافتهم وإكرامهم وبعث المدد لهم وتبني قضيتهم.
مؤلم أن تفقد الثقة بأحد، ومؤلم أكثر أن تعمم فقدان الثقة هذا على مجموعة من الناس. ولكن هل ترك لي أحد منهم فرصة لكي أفعل غير هذا؟
ميدل ايست أونلاين
بقلم: عمر الشمّري , كاتب سعودي